تراني في الورى أمشي كئيباً......كأني من تنكرهم يتيمُ
كساني الحزنُ ثوبا فوق ثوبٍ.......فظن الناسُ بي أني سقيمُ
وما بي علةٌ إلا افتقادي.......حُنُوَّ أبي فصرتُ كمن يهيم
تفيض الذكرياتُ على فؤادي.......فمنها ترتوي عينٌ سَجومُ
فأذكركم أبي في كل صبحٍ........وأذكركم إذا بدت النجومُ
لقد طال الغياب أبي فقلبي........أحاط بنوره ليلٌ بهيمُ
يمر العيدُ تلوَ العيد فينا........وعيدي دونكم لا يستقيم
فعيدُ الناس أفراحٌ وعيدي........وعيدٌ تلتقي فيه الغموم
أرى أمي الرءوفة في اكتئابٍ.........وقد هدت جوانبَها السقومُ
طوت في صدرها بثاً وشجواً.........تَفجَّرَ في الحشا منه الحميمُ
أسائلها أيا أماه قُولي........ولا تُخفي فصبري لا يدومُ
فَسُحَّتْ من مآقيها دموعٌ.........يذوب لشأنها القلبُ السليمُ
أيا أماه إني لستُ أدري.........ألوم النفسَ أم مَن ذا ألوم
أعدتُ سؤالها والدمعُ مني........على خدّيَّ همَّارٌ طَحوم
أمات أبي؟ فقالت: لا ولكن........أسيرٌ عاقه طاغ غشوم
بأي جريرة أسروه قولي.........أكَون أبي يصلي أو يصوم؟
ألم يك داعيا للحق جهراً........وقد آذاه في ذاك الخصومُ؟
أليس أبِي أبَىَ ذلا فماذا.........جنى حتى يكبله اللئيمُ؟
ألم يكُ يُطعم المسكينَ دوما........ويَطربُ حين يلقاه العديم؟
أصار أبي أسيراً دون ذنبٍ؟.........فماذا يبتغي منه الظلومُ؟
ألا تباً لطغيانٍ تمادى..........يقود جيوشَه ذاك الرجيمُ
فصبرا يا أبي عمّا قريبٍ..........يُبدِّدُ شملَ أحزاني الصَّروم
فقد ولىّ زمان النوم عنا............ولا يُخزي أعادينا النؤوم
فإن المجدَ لا يبنيه قومٌ...........رضوا عيشاً يحف به النعيم
ولكن يبلغُ الأمجاد قومٌ...........تمنت بُعْدَ شأوهمُ النجومُ
ويا أماه صبراً إن يوماً ............ قريبا يحكم الشرعُ الحكيمُ

